
فخرنا نابع من أرضنا، من جروحنا، ومن صمودنا.
شهر الفخر مبدأش كاحتفال، لكن كمقاومة. بدايةً من “ستونوول” في نيويورك سنة 1969، بقيادة نساء ترانس سوداوات وأفراد المجتمع الكويري، وحتى هذه اللحظة، الفخر كان دايمًا رد فعل على القمع.
قبل الاستعمار، كان فيه حيوات متنوعة جندرياً وجنسياً في منطقتنا. حتى ولو كانت المفاهيم والمصطلحات الخاصة بالجنسانية والجندر وقتها مختلفة عن اليوم، كان فيه انسيابية وعدم وضع أطر للأدوار الجندرية، وكان المشهد القانوني أكثر تسامحًا مع التعدديات الجنسية والتنوع الجندري.
في الفولكلور، في الشعر، وفي المدن والقرى، كان فيه مساحة – ولو محدودة – للناس اللي خارج القالب الثنائي أو المعايير المفروضة. العابرين/ات، وغير الثنائيين/ات، والمثليين/ات مش “وافدين” جدد على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إحنا جزء من نسيج تاريخ المنطقة.
لحد ما فرض الاستعمار الضبط الجندري على مستعمراته وقرر يوحد الأدوار الجندرية في الحياة اليومية، وفرض عقوبات على العلاقات الجنسية بين الأفراد من نفس الجنس/النوع الاجتماعي.
إحنا موجودين/ات وكنا دايماً موجودين/ات.
والنهاردة، منطقتنا بتمر بوقت صعب. إحنا بنجدد فيه موقفنا من العنف والعسكرة والإبادة الجماعية والتهميش لقضايا أفراد على حساب أفراد آخرين، ومن الغسيل الوردي اللي بيحاول ينزع البعد السياسي والإنساني كمركب مهم من مركبات هويتنا.
ليه بنفخر؟
عشان ده فخرنا إحنا. فخرنا من منظورنا كأشخاص عابرين/ات، ومثليين/ات، وغير ثنائيين/ات النوع الاجتماعي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
حميدة حسن ابراهيم
حكاية حميدة حسن إبراهيم، التي قُبض عليها عام 1930 وهي ترتدي ثيابًا نسائية، وكيف تعاملت الشرطة والمجلة الصحفية “الدنيا المصورة” مع قصتها.
قبل أن تُفرض القوانين الصارمة على الأجساد والهويات،
وقبل ما تُرسم الحدود الواضحة للتعبيرات الجندرية،
كانت حميدة ترتدي ثيابًا نسائية، وتضع قطعة من القماش فوق رأسها، وتمشي بخطوات وصفتها الجريدة بأنها “خطوات النساء”.
تم اقتيادها إلى قسم الأزبكية، وهناك سألها الضابط عن اسمها، فأجابت بصوت ناعم:
“اسمي حميدة.”
لكن بعد أن صفعها الضابط، قالت:
“اسمي عباس حسن إبراهيم.”
لم يكن هناك تهمة واضحة يمكن توجيهها لها.
هي متهمة بالتشرد، لكنها لم ترتكب جريمة، ولا يوجد سبب قانوني لحبسها.
ولما سألها الضابط عن السبب اللي بيخليها ترتدي ملابس النساء وتقلد خطواتهن وحديثهن، ردت وقالت:
“قسمتي كدة .. واحنا نسوان مقطوعين من شجرة وولايا … وكل ما احب اشتغل في حته يطردوني .. ومافيش حد يرضى يشغلني عنده”
ذكرت المجلة إن الشرطة كانت محتارة تتعامل معاها إزاي:
هي مش مجرمة علشان تتحبس، وفي نفس الوقت، الشارع ماكانش آمن، ومحدّش راضي يشغلها أو يديها فرصة.
فقرروا يسيبوها في فناء القسم، “بين الحرية والسجن”.
المصوّر الصحفي الذي كان يرافق المجلة حاول يلتقط لها صورة،
لكنها غطت وجهها بسرعة وقالت بحدة:
“عيب يا خويا! بعدين الرجالة يشوفوا وشي في الجرنال!”
وما وافقتش تتصوّر إلا بعد ما المصوّر طمّنها إن الصورة “شخصية” ومش هتتنشر.
ظهرت القصة بعد كده بـ 8 أيام، في العدد رقم 56 من مجلة “الدنيا المصورة”، الصادرة يوم الأربعاء 23 أبريل 1930، تحت عنوان:
“رجل أم امرأة؟”
الدنيا المصورة كانت واحدة من أبرز المجلات الأسبوعية اللي ظهرت في القاهرة، وصدرت عن دار الهلال بين سنة 1929 و 1932.
دار الهلال كانت من كبرى دور النشر في العالم العربي، وكانت بتنشر مجلات زي “المصور” و”الكواكب” و”حواء”.
الدنيا المصورة كانت تغطي موضوعات متنوعة: من الموضة، والفن، والثقافة، للحياة الاجتماعية،
وكانت متميزة باستخدامها الكثيف للصور الفوتوغرافية والرسوم التوضيحية، واللي خلى منها وثيقة بصرية بتوثق تحولات المجتمع المصري في الفترة دي.
لكن رغم توثيق المجلة، قُدّمت حميدة في الخبر كحالة طريفة، لا كإنسانة تبحث عن مكان آمن تعيش فيه.
قصتها اليوم بتفكرنا إن الهويات المتنوعة لم تكن غريبة عن مجتمعنا، وإن أشخاص زي حميدة، كانوا، ولسه، موجودين. لكن المجتمع غالبًا بيتعمد تهميشهم/ن.
علي داوود
قصة علي داوود، الذي خضع لجراحة العبور الجنسي في مستشفى القصر العيني عام 1947، وكيف تم تحريف قصته في فيلم “الآنسة حنفي” ليصبح مجرد كوميديا تجارية
قبل الاحتلال البريطاني، كان المشهد الجندري في مصر أكثر انفتاحًا وتنوّعًا. كانت النساء يرتدين ملابس تُصمّم عادةً للرجال، وكانت الاحتفالات الشعبية تُقاد في كثير من الأحيان على يد “الخوالات” – رجال يرقصون ببدل رقص نسائية مزركشة. لم تكن الحدود الجندرية وقتها مرسومة بالوضوح الذي نعرفه اليوم.
لكن مع قدوم الاحتلال، فُرض ما يمكن تسميته بـ”الضبط الجندري” كأداة من أدوات الهيمنة على الحياة الاجتماعية وضبط الأجساد والهويات. ورغم ذلك، لم يتوقّف الأفراد عن التعبير عن ذواتهم/ن، وبقيت الحكايات تتسرّب من بين الفرض والمنع… ومن بين تلك الحكايات، تبرز قصة “علي داوود”.
بعد مراجعة الأطباء في الزقازيق والقاهرة، خضع علي لجراحة العبور الجنسي في مستشفى القصر العيني، وقرر أن يحمل اسم “علي داوود”. وبعد فترة، خطب فتاة من قريته.
أثارت القصة جدلًا واسعًا في الرأي العام، ولاقت صدى لدى الكاتب جليل البنداري، الذي أعاد تقديم القصة في فيلم “الآنسة حنفي” في قالب ساخر، حوّل فيه الواقع: فجعلها رجل يُصبح امرأة، ومن قصة عبور جنسي إلى كوميديا تجارية. نجح الفيلم، لكن على حساب الحقيقة.
قصة علي داوود ليست مجرد حكاية فردية، بل وثيقة منسية من تاريخنا الجندري. تذكّرنا بأن التنوّع ليس ظاهرة دخيلة أو جديدة، بل جزء أصيل من نسيجنا الثقافي والاجتماعي.
حنان الطويل
بعد رجوعها لمصر، بدأت مشوارها الفني سنة 1999، وظهرت للجمهور لأول مرة في مشهد صغير في فيلم “عبود على الحدود”. بعده، شاركت في مسرحية “حكيم عيون” مع علاء ولي الدين وأحمد حلمي.
لكن الانطلاقة الحقيقة كانت سنة 2000، في دور “ميس انشراح” – مدرسة اللغة الإنجليزية في فيلم “الناظر”. أدائها وخفة دمها خلّوا الشخصية دي تبقى واحدة من أشهر الشخصيات في تاريخ السينما المصرية.
وقدمت بعد كدة دور “عزيزة” في فيلم “55 إسعاف”، و”كوريا” في “عسكر في المعسكر”، واللي قالت فيه جملتها الأشهر: “البيت دا طاهر!”، واللي لسه عايشة في ذاكرة الناس.
ورغم البهجة اللي كانت بتنقلها على الشاشة، كانت حنان بتعيش معاناة يومية بسبب الرفض المجتمعي والمضايقات.
تضاربت الروايات حوالين وفاتها في نهاية 2004، عن عمر 38 سنة.
فيه اللي قال إنها ماتت بأزمة قلبية، واللي قال إنها اتوفت خلال جلسة كهرباء في مستشفى نفسي، واللي قال إنها انتحرت بعد ما وصلت لحالة من اليأس.
حنان قدمت شخصيات كتير بنحبها، وضحكتها لسه عايشة جوانا.
سالى محمد عبدالله
من أوائل النساء العابرات في مصر اللي واجهوا المجتمع بعبورهن بشكل علني.
اتولدت سالي في مدينة مصرية في بيت فيه أم وأب وولدين وبنتين، وكانت هي الأخت الخامسة. من وهي طفلة، كانت بتسمع كلام جارح وبتعيش رفض يومي بسبب تصرفاتها الأنثوية، وكانت دايمًا حاسة انها مش زي أخواتها الولاد.
لما والدها بدأ يلاحظ إن سالي غير متسقة مع الجندر اللي اتولدت عليه، قرر ياخدها لطبيبة نفسية، واللي بدورها حولتها لطبيب أمراض ذكورة. الطبيب كتب لها أدوية ” تعزّز الرجولة ” زي ما كان بيقول، وهي كانت بتقول إن الأدوية دي سببت لها اكتئاب شديد، وكانت بتهرب منها.
أهلها حاولوا يتحكموا في حياتها ومستقبلها، دخّلوها كلية طب الأزهر – بنين، على أمل إنها “تتغير” وسط الرجالة، وبعيد عن تأثير البنات، زي ما كانوا شايفين.
لكن وجودها في كلية الطب ساعدها تفهم جسمها وهويتها أكتر. بدأت تقرأ، تسأل، وتدور على أجوبة. لحد ما أحد أساتذتها قرّبها من طبيب وافق يجري لها جراحة العبور بعد ما تم تشخيصها بـ”انزعاج جندري”.
في سنة 1988، قدرت سالي تحقق حلمها وتعمل الجراحة. وظهرت بعدها في حوار تلفزيوني مع إسعاد يونس، وسط حضور أطباء ومتخصصين. الظهور ده وقتها كان مفاجئ وصادم في مجتمع بيرفض يسمع أو يعترف، لكنه كان بالنسبالها خطوة أساسية: الناس لازم تشوف، وتفهم، وتعرف إننا موجودين.
إيمان لوكير
من سجون مصر، لاحتجاجات أمريكا، من وجع سارة حجازي، لحلمها هي ببيت فيه أمان.
أسست منظمة بتساعد العابرين والعابرات على طلب اللجوء، على النجاة، على الحلم من جديد.
بس زي ما قالت…
“مش كل واحد/ة يقدر يهرب. في ناس لسه بتعيش الخوف… ولسه بتموت من غير ما حد يسمع صوتها.”
حلم إيمان بسيط…
مكان نرتاح فيه، نُحب فيه، نُشفى فيه، نعيش فيه بسلام.
حلمها… حلمنا كلنا.
دينا العامري
“الله وحده هو اللي يقدر يحكم عليّا.”
دينا العماري مش بس واحدة من أكتر النساء العابرات ظهورًا في المغرب…
هي كمان صوت بيرفض الخنوع، وبيقول لا لكل محاولات كتم الحقيقة أو طمس الهوية.
في مدينتها، كانت دينا منعزلة، ممنوعة من التعليم، ومرفوضة من المجتمع.
لكنها ما استسلمتش.
قررت تبدأ من جديد، وتبني هويتها بإيديها … من طنجة لمدريد.
سنة 2017، بدأت رحلتها.
اتعلمت التجميل، وعبّرت عن نفسها من خلال اللبس والمكياج، ومن غير خوف.
وفي 2018، اتعرضت لهجوم عنيف في مقهى بطنجة بعد ما صاحب المكان اعتدى عليها لفظياً وجسدياً
الدرويش
الدرويش مش بس راقص
هو مؤسس فعالية Queens Against Borders، وشارك في مهرجانات، مسرحيات، وأفلام وثائقية عالمية.
بيعيد تقديم الرقص الشرقي كأداة نسوية وكويرية، وبيفتح مساحات لسوريا والشرق الأوسط الكويري عشان يكون مرئي، مسموع، وحر.
خوخة ماكوير
خوخة ماكوير هي فنانة وناشطة نسوية كويرية، ومن أوائل النساء العابرات المعروفات في تونس. عبر الفن، قدرت تخلق مساحة تعبير حرة، لا تخضع لقواعد المجتمع.
من خلال فنها البصري والاستعراضي، بتشتبك خوخة مع قضايا الهوية والتعبير الجندري، وبتقدم نفسها كتجربة حية لا يمكن حصرها تحت مسمى واحد.
شاركت في صياغة أول دليل مصطلحات حول النوع الاجتماعي ملائم للسياق التونسي.
#فخرنا_إحنا








