نستعرض هنا أهم المشاركات في حملة “أنا ترانس” التي بدأتها ودعت إليها إليها “ترانسات” في منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني لعام 2018.
دعوة الحملة
بمناسبة أسبوع التوعية العالمي للأشخاص الترانس، أو بمناسبة مرور عام على انطلاق “ترانسات”، أو بدون مناسبة على الإطلاق (فنحن لسنا بحاجة لمناسبات للتعبير عن وجودنا) نطلق اليوم حملة “أنا ترانس”، للأشخاص الترانس من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
بعد سنوات قضيناها في أدوار وضعها الآخرون لنا: أدوار المخلوقات العجيبة، أدوار المنحرفين/ات عن الطبيعة، أدوار الضحايا المستضعفين، والأهم أدوار جندرية لا ننتمي إليها أجبرنا عليها لكي نستطيع فقط مواصلة الحياة بأدنى شروطها، ندعوكم/ن اليوم، وندعوا أنفسنا، للتعبير عن وجودنا للعالم من حولنا بفخر، بدون ذلك الشعور بالعار الذي فرضته مجتماعتنا علينا بعنصريتها وكراهيتها لكل ما هو مختلف، بدون ذلك الشعور بالخجل من مجرد كوننا نحن.
نحن بشر لا نطلب من العالم شيئًا سوى حقنا في الوجود، وحقنا في العيش في سلام، وفي الحصول على فرص متساوية مع الجميع. نحن موجودون في كل مكان، في كل الجنسيات، كل الأعراق، كل الأديان، كل الألوان، كل الفئات، كل البلدان والمدن والقرى. نحن أبطال لازلنا قادرين/ات على الصمود في وجه عالم لا يرحم، يريد لنا أن نختفي من الوجود فقط كي لا نعكر عليه صفو “الطبيعة”.
من اليوم. وحتى نهاية شهر نوفمبر، ندعوكم للتعبير عن أنفسكم/ن بكل الطرق التي تفضلونها، يمكنكم/ن التعبير عن ذواتكم/ن، قصصكم/ن، تجاربكم/ن، معاناتكم/ن، بطولاتكم/ن، بأي لغة كانت وبأي لهجة، يمكنكم التدوين على السوشيال ميديا، أو حتى على الجدران في الشوارع ، يمكنكم/ن التعبير عن انفسكم بأي طريقة تريدون، (بالكتابة، بالرسم، بالتصوير، بالغناء، بالفيديوهات، بأي طريقة كانت) ، يمكنم/ن استخدام صفحاتكم/ن الشخصية أو ارسالها لنا مباشرة، فقط استخدموا/ن هاشتاج #أنا_ترانس لكي نستطيع جمع مشاركاتنا جميعا ونشرها معًا على صفحاتنا وفي كل مكان سوف نستطيع أن ننشرها به. استخدموا اسماءكم/ن الشخصية، أو اسماء مستعارة، أو بدون اسماء على الأطلاق لا يهم (فنحن نعي المخاطر جيدًا). فقط دعونا نخبر أنفسنا، ونخبر بعضنا البعض، ونخبر العالم بأننا موجودون/ات، وبأننا لن نكف عن الوجود، وبأننا لا نخجل من حقيقتنا، بالعكس، بل نحن نفخر بها، وبكونها عنوان لقصص بطولية ملهمة في الصمود والمقاومة والحياة.
“أنا ترانس.. أنا موجود/ة.. ولن أخجل من ذلك”
المشاركات
مشاركة الفنانـ/ـة العابر/ة اللاثنائيـ/ـة: مي دبور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طول الوقت المجتمع فارض علينا قوالب كمجتمع ترانس مش عايز يشوفنا غير من خلالها، ممكن الموضوع مرتبط عنده بجهل و عدم وعي بس هو كمان وسيلة عشان يمارس ضدنا وصم و عنصرية و هو مستريح و عشان كدا في تطبيع تام لأي شكل من أشكال الوصم و الاضطهاد لما بيتمارس ضدنا من أغلبية المجتمع. جزء من القوالب دي اننا بنعبر لأغراض تانية زي مثلا اننا عايزين نشتغل فى الجنس التجاري. مع كامل احترامي العاملات في الجنس التجاري بس مفيش حد هيدخل نفسه في صراع مع مجتمعه و مع نفسه و جسده لمجرد انه عايز يعمل كدا.أو أن هويتنا هي امتداد المثلية الجنسية و مش هوية في حد ذاتها أو أننا بنضحك علي الرجالة عشان يمارسوا جنس معانا أو يكونوا في علاقات معانا زي ما اتقال في بعض البرامج المنحطة. كل دا عشان محدش عايز يلتفت لحقيقة الموضوع اللي هو صراع مع النفس و الجسد و المجتمع عشان بس نكون نفسنا و عشان تعيش حياتنا زيينا زي اي فئة تانية في المجتمع. محدش مثلا عمره هتكلم عن التنمر و الانتهاكات اللي بنتعرضلها أو عن المشاكل النفسية و المجتمعية اللي بنواجهها و بنعيش فيها لأن ببساطة هما اختاروا يشوفوا من منظور مختلف، من منظرهم هم اللي هو منفصل تماما عن واقعنا. عشان كدا مهم وسط دا كله ان نفكرهم و نفكر نفسنا اننا موجودين و تجاربنا و نضالنا مهم و ليه معني، و دا اسمه ساعتها مقاومة و حب للذات. ليوم حب للذات بس مش بالطريقة الكليشيه اللي بيتكلم عنها بتوع التنمية البشرية، حب الذات هنا هو رحلة، هو نضال و معارك و نضج مش مجرد جملة شكلها حلو و خالية من المضمون.
صوفيا شريف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“- ما هي مش كل موضة ينفع تتقلد.
= يا بت خلصي و مشيه من هنا بقى، موضة ايه انتي هبلة؟”
ردت أمينة السجل المدني على تعقيب موظفة السجل المدني و هي تلتقط صورتي في نهاية يومٍ مرير تعرضتُ فيه لكل أنواع العنف اللفظي الموجع و جولات متتالية من التنمر و التهكم من كل الفئات الموجودة بداخل مبنى السجل المدني بعدما أدركوا ان هذه الفتاة المكتملة الأنوثة تحمل بطاقة رقم قومي تحمل جنس “ذكر” عقب تقديمي بطاقة الرقم القومي لإحدى الموظفات لإستخراج بطاقة جديدة تتماشى مع شكلي الحالي.
رفضت الموظفة قائلة ان شكلي امرأة و هذه بطاقة ذكر فيمكن أن يكون انتحال شخصية بعدما جذبت لي انتباه المواطنين الموجودين بالصالة و بدأوا بالفعل اهانتي بكل ما هو معروف من شتائم، توجهت إلى أمينة السجل التي بمجرد رؤية بطاقة تحقيق الشخصية لم تلبث أن تقل “مسم انتي واد و لا بت؟” و بادرت “يا حلاوة يا حلاوة”.
بعد الكثير من المهاترات مع الموظفين و المواطنين و الإحباط الذي شعرت به و عدم تحملي لبيئة الكراهية التي تحول اليها المكان برمتهِ، استدعت أمينة السجل أمين شرطة و موظفي الأمن ل”يتصرفوا في الموضوع”، دخلنا غرفة مع موظفي الأمن بعد انقضاء أربعة ساعات داخل السجل، و طلبوا منّي صراحة أن “أثبت” أني صاحبة البطاقة، و بالتالي فلن يكونوا مسئولين عن انتحال الشخصية المُحتمل، فطلب واحد منهم أن يرى أعضائي التناسلية و بعد ان انتهوا من تأدية هذه المهمة الوطنية الجليلة خرجنا لنجد حشود ضاحكة متهكمة شاتمة من المواطنين صارخين “ايه اللي جرا في الدنيا؟” “الرجالة ايه اللي حصلها” لننهي إجرائاتنا بسرعة و أخرج برفقة زوجي المستقبلي الذي كان الرفيق خلال كل هذه الأحداث بلا خوف و لا عجز و لا لحظة تردد أو تفكير في أنه كان يمكنه تجنب كل هذا ليسجل بوجودِه نوعاً جديداً من “الشهامة” و “المروءة” و “الرجولة” بعيداً عن ما فرضه عليه بقية أبناء جنسه من تعريفات لل”رجولة”.
ليليان القاضي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الخامسة من عمري طلبت من أمي دمية مثل التي تتباهي بها علي احدي قريباتي ، ورغم أنها أومأت إلي بما يفهم منه الموافقة لكنها بدت وكأنها لم تعرني سمعها جيدا فعند عودتها مساء مدت إلي حقيبة بلاستيكيه , سرعان ما كنت بلهفه افرغ ما بداخلها مبعثره محتوياتها أرضا .. قطارا رجلا أليا خناجر ومسدسات أين دميتي يا أماه !!!
جاءني صوتها حازما تلك هي ألعاب الصبيان ..
رددت في احباط بعفويه ومالي أنا والعاب الصبيان !!!
لـ تنشق الأرض عن والدي مع انتهاء اخر حرف في اعتراضي فكانت أول وأخر جمله تعبر عن هويتي الجندريه و نطقها لساني بكل حريه …
لم يرأف بسني الغض ولا ببراءة لم تدجن بعد فتفقه البون الشاسع بين – الضكر والأنتايه – وانهالت علي شتائمه المنحدره كطلقات ناريه تسابق ركلاته , ومن ساعتها عقد عقلي بينها وبين ما وقر في يقيني وأمنت به جنسا وحملت منذ ليلتها إحساسا بالذنب والضعة علمني كيفيه وأد الذات في طقوس جنائزيه أقيمها في اليوم ألف مره لأعاود النبش عنها عميقا كل مساء …
صرت شغل الشيخ الشاغل و لسنين تحملت تجاربه في تقويم مايراه من أعوجاجي , وضع نصب عيناي قوائم من المحظورات يعمل فيها بين الفينه والاخري إحلالا وأبدال , وأمام التزامي من عدمه كان أشبه مايكون بشرطي المرور في بلادي ! إن أوقفك ولم تكن مخالفا لقانون فلن يعدم أن يخلق لك من العدم ألف مخالفه ! تشبيهي مع الفارق يبدو رحيما للغاية فشرطينا الهمام قد يخلي سبيلك مقابل بضع جنيهات ، بينما – أبوي الشيخ – لا يقبل بأقل من إهدار آدميتي في كل إيقاف !
ما أن تقع عليه عيناي حتي يتجمد الدم في عروقي و أحاول الأندساس بين طيات جلدي عبثا ريثما أراجع في عجله قائمه ممنوعاته وموقفي منها ، حتي أدركت أن وجودي في حد ذاته كان اكبر أخطائي ..
فبسببه كان لسانه يفيض علي سواحلي دوما بالقمئ من السباب والجارح من الألفاظ ، و بسببه كم وقفت بين يداه ذليلا مرتعدا لأتلقي حصتي الكاملة من حنقه وبزياده مقدره تحددها طاقه ذراعاه ، بالكاد استطيع تمالك نفسي ومنعها من البكاء خشيه أن تستفزه أكثر لكونها من ممنوعات عالم الرجال !!
لا ينقذني من بين براثنه سوي مسارعة أمي لتهدئته وتذكيره بان ابنه ما يزال طفلا ولا ينبغي أن يصك اذنيه بتلك المفردات ، ثم تحاججه إلي ما يسبغه علي نفسه من تدين الي اعتباري مجرد ابتلاء فانتشلني بعيدا وصوته يلاحقني مكملا باقي الاهانات ، لم أنا دون الناس أبتلي بفسل يحط من شأني ويذيقني مرالهوان .
لم أحبه يوماً كما انني لم أتمني موته وكنت حينما اخلو الي نفسي انسج من الأحلام مشنقه يتدلي منها عنقه بلا موت ولا حياة أو اجسده امامي وقد بلغ من العمر عتيا وفارقه الاصحاب والخلان فلم يتبق له سواي فقط لاقول له لكل امرئ يوما حصاد زرعه فانظر ماذا غرست يداك ….
إيمي عبدو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في حملة للطيفه اسمها #انا_ترانس ابتدت النهاردا 2018/11/14 وهتستمر لمدة شهر اعتقد ” لو حد حابب يشارك ” هي بتدعو للظهور عن طريق أنك تعمل اي حاجه تقول بها انا ترانس وموجود وكدا
فأنا قررت أشارك في الحمله دي عن طريق أني انزل طول فترة الحمله بالدبوس والسلسله دول 😆👇واعمل كميه من الاستيكر دي وانشرها في اي مكان اروحه 😅
مش عارف دا ممكن يفيد بأيه بس #انا_ترانس 💪
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عادة لا أقلب في الدفاتر القديمة، ولست من نوعية الأشخاص الذين يقلّبون بين الذكريات في أوقات فراغهم، انها بالنسبة لي كالصندرة القديمة اللي مليانة كراكيب، لا أقلب بين هذه الصناديق المغطاة بالتراب الا لو كنت اريد شيء مُلح منها، فتح الصناديق القديمة شيء مرهق .. وليس مرهقا فقط إنما أيضا مؤلم، والأكثر إرهاقا وألما هي تنظيمها وإعادتها مرة أخرى الى مكانها السابق، وإعادتها مرة أخرى شيء ضروري بالنسبة لي حتى أستطيع النظر للمستقبل او حتى للواقع بعين غير مشوشة..!
وبما ان الصناديق ها هي بالخارج وكل شيء بها في غير موضعه فسأتناول منها بعض الأوراق لقرائتها، ولماذا صناديق ذكراياتي بالخارج، لأن الطبيب النفسي يريد الإطلاع على بعض الأوراق فيها، وهذه طبيعة الأطباء النفسيين. ولماذا أذهب الى الطبيب النفسي، لأنني امرأة متحولة/عابرة جنسيا. ويجب أن يوافق على استكمال إجرائاتي للقيام بعملية التحول /العبور طبيب نفسي بإمضاء منه على تقرير أقوم بتوثيقه لاحقا حكوميا.
انا امرأة متحولة جنسيا.. امرأة محبوسة في جسم ذكر.. الموضوع ليس جديدا، وأكيد اي حد بقى عنده فكرة عن الموضوع دا، وشكرا جدا لتفهمكم واستيعابكم للموقف.
جدير بالذكر اني خلال رحلتي لادراك ذاتي وما انا عليه مريت على أنواع كثيرة من الأطباء النفسيين و الأخصائيين، وحاولت دراسة علم النفس أيضا، لكني لم أكمل لأسباب حياتية ومهنية. انا احترم الطب النفسي جدا، وأقدره وبالتأكيد هو علم ومجال مفيد للبشرية، لكني مؤخرا أصبحت أشعر بالملل من العاملين فيه، الجلوس على الشيزلونج والفضفضة أصبح شيء غير مشوق بالمرة بالنسبالي، استرجاع الذكريات شيء مؤلم واستعادة الذكريات بشكل دروري او مكرر مع هذا الطبيب الماهر مرة ومع هذا الطبيب الغير ماهر في مرة أخرى، أصبح الأمر معهم بالنسبة لي كالضرب والتفعيص في جراح قديمة تريد أن تندمل، سيبوا الجراح تندمل، سيبوها بقى!!
سألتني احدى الأخصائيات النفسيات في مرة.. فاكر امتى أول مرة حسيت فيها بإحساس انك واحدة ست؟، قلت لها مش فاكرة بس الموضوع معايا من زمان، بس فاكرة اول مرة أسمع فيها عن عمليات التحول الجنسي، كانت في مجلة من مجلات نص الدنيا او الشباب، طفل على مشارف سن المراهقة .. ١١.. ١٢ سنة، يقرأ مقال عن التحول الجنسي في مجلة شبابية او نسائية، فجزء من عقله ينير بضوء وهاج، ويعرف.. او تعرف.. تعرف تماما ان هذه رحلتها التي عليها الذهاب اليها.
قبل هذا اللحظة.. التي أعتبرها أحد لحظات الاستنارة القليلة التي مررت بها، كان هذا الطفل في بداية سنته الدراسية في المرحلة الإعدادية، وقد تم تحويله من فصل لفصل بعد تصدع في أحد المباني في المدرسة من جراء زلزال ٩٢، طفل رقيق المشاعر، حالم العينين، يبكي لأقل شيء.. أقل شيء. دخل لفصل جديد لا يعرف أحد فيه، وكانت المدارس الحكومة أياميها ربما ليست بنفس درجة التوحش التي كانت عليها مدرسة عاشور في فيلم الناظر، لكنها كان فيها من التوحش ما يكفي لتحويل حياة هذا الطفل المضطرب الى جحيم. طفل كان يخبئ بداخله فتاه تخشى التعبير او حتى الاعتراف بنفسها، لم تمر أيام قليلة حتى بدأت سلسلة السخرية والتحفيل والاستقصاد لهذا الطفل، أسامي مستعارة لفتيات، او اي اسم بتاء مربوطة أصبح يقصدونني به، غزل ساخر وأغاني عاطفية متهكمة كان توجه إلي، مدرس بايخ يحاول يستظرف عليا أمام الفصل، لكني رغم هذا الهجوم الذي سببه أختلافي حينها، أتذكر ان كان لدي من القوة والمقاومة ما استطيع القول انني لم أتحول الى مسخة الفصل، واستطعت مع الوقت ان أكسب أحترام وصداقة وود عدد لا بأس به من الأولاد، وعداوة البعض أيضا، نعم الأطفال عدوانيون، لكن لديهم من الفطرة والبصيرة ما ليس لدى من هم أكبر سنا. وانا كان بداخلي شيء ليس شريرا او حقيرا او يحب تعذيب نفسه او تعذيب الأخرين له، لا..، كان شيئا طيبا، شيئا طيبا ورقيقا، ربما بذرة لفكرة او حلم او ربما بوادر فتاة تختبئ بداخلي، نعم واجهت هذه العدوانية والقسوة من الأطفال الآخرين بفطرة كان فيها شيء سليم دون أقابلهم بعدوانية مضادة، والله العظيم عملت كده، لم أتصرف بعدوانية الا مع شخص واحد كان يستحق ذلك حينها، لكنني أستطيع بعد مرور كل هذه السنوات ان أقول وانا أشعر ببعض التعجب.. نعم الفطرة غلبت التوحش والعدوانية، الفطرة غلبت الرجولة الكاذبة.
ربما لا أمتلك من الخبرة او المهارة الأدبية ما يكفي حتى أحكي تفاصيل تفاصيل هذا الدفتر القديم المركون في صندوق بعيد غطاه التراب داخل صندرة ذكرياتي، ربما قد يحالفني الحظ واستطيع بعد سنين اجتهاد ومثابرة ان أوثقها في عمل أدبي عظيم يحمل رسالة ما، وربما أيضا ان تذهب كل هذه الذكريات والأفكار الغير متناغمة اللي أمتلكها مع كل الذكريات والأفكار التي يمتلكها الكثيرون غيري من الناس الى الفناء، الفناء..، الفناء الشاسع اللامتناهي، ونتحرر نحن وأفكارنا وذكرياتنا في سديم كوني شاسع واسع لا متناهي الأبعاد، نتحرر نتحرر من كل قيود، نتحرر من قيود الجسد والأفكار والأديان والنظريات الرياضية والماورائيات والعبث، نتحرر نلهو في الفناء الشاسع، الفناء الخلفي الأمامي اللامتناهي، نتحرر.. نتحرر في الفناء..
بعض النظريات تقول.. انه في الأزمنة البدائية وما قبل التاريخ كان ثنائين الجنس او من تجتمع بداخلهم عناصر الأنوثة والذكورة معا، كان المجتمع يرفعهم الى درجة التقديس، وهذه النظرية تؤكدها بعض الوثائق الأمريكية عن الهنود الحمر، والميثولوجيا الهندية والإغريقية، بعض قصص ملوك الفراعنة كإخناتون وحتشبسوت، وهناك أزمنة أخرى كان ثنائيي الجنس مجرد عبيد يحرسون الجواري او يقومون بأدوار ثانوية او يختبئون داخل وظائف ومهن يستطيعون من خلال ازدواجيتهم ان يتميزوا فيها، وهناك أزمنة أخرى كانوا يرجمون فيها او يتم حرقهم أحياء كالساحرات. دائما ما تتغير الأفكار في عقول الناس، والمشاعر لا تهدأ ولا تظل ثابتة، والكون لا يكف عن الحركة، والزمن لا يتوقف، والحضارات والشعوب تمر بأزمنة انحدار وازدهار، قرون ظلامية وقرون نهضة وتنوير، حتى في العلم احيانا النظريات تصبح أضداد لبعضها،مفيش حاجة ثابتة.
هناك الآن حركات قوية في مناطق عديدة من العالم لمجتمع الميم (مثليين، مثليات، مزدوجي الميول، متحولين/ات) استطاعت تحقق انتصارات لا بأس بها، وفي الشرق الأوسط يعاني مجتمع الميم من اضطهاد قاسي، ورغم هذا الاضطهاد احنا موجودين،ايوا احنا موجودين، اه بيضطهدونا ومبيحبوش يتعاملوا معانا لكننا أمر واقع، ومع الوقت الناس حتعترف بينا وبوجدنا وحيقبلونا.. دا اللي انا مؤمنة بيه. واتمنى ان الناس متيأسش او تكتئب.
لم تأتيني الفرصة او تتاح لي الظروف لأحكي لأي طبيب نفسي عن هذا الفصل الدراسي، اتذكر الان بعض المواقف السيريالية شديدة الغرابة ومواقف وتصرفات لاطفال في بدايات تلوثهم بأفكار يضعها الكبار في رؤوسهم، اتذكر زميل لي كان شديد الوسامة وله ملامح وجه أكثر أنوثة اوطفولية من التي كانت لدي وكان الأولاد يعايرونني بسببها، أتذكر شعره الناعم بشدة وسط بقية الفصل التي كانت كل شعورهم مجعدة، وكان هذا الفتى له صوت شديد الخشونة فيه نسبة تصنع واضحة، وكان يلقنني درس شبه يومي في التخلي عن صوتي المسرسع وعن اسرار رجولية أخرى قد تكون صعبة على أمثالي!. اتذكر بكائي وعاطفتي نحو بعض الشخصيات وعاطفة بعض هذه الشخصيات نحوي، أتذكر من كانوا يتنمرون علي ويحاولون مضايقتي وكيف توقفوا عن ذلك، وأتذكر من كانوا يضايقونني بشدة ولم يتوقفوا الا بعد أن أظهرت لهم بعض القوة او العدوانية المضادة، وكان أكثرهم ازعاجا وسادية له صلة قرابة تربطه بأحد المدرسين ولم يكف عن إيذائي الا بعد اوقفه عند حده مدرس آخر متعاطف معي.
بعد اسابيع قليلة من دخولي هذا الفصل كان هناك ما يشبه الانتخابات الصغيرة لاختيار رائد الفصل، ورائد الفصل هي شبه وظيفة لمهمام ادارية بسيطة يقوم بها أحد التلاميذ، كمساعدة الاساتذة في تجميع الكراريس، تسجيل اسماء المتغيبين، مساعدة الاساتذة في بعض المهمات، ومساعدة الطلبة في مهمات أخرى. ورشحت نفسي على سبيل التجربة وبدون ان أعطي للأمر اهتمام كبيرا، ولم اتوقع انني سوف احقق اي نجاح او نسبة تصويت، لكن الغريب اني تساويت في أعلى نسبة تصويت في هذه الانتخابات الصغيرة مع شخص اخر، وتم إعادة التصويت بيني وبينه، والشخص التاني والذي كان أكثر اجتماعية ويمتلك روح قيادية واضحة في هذا السن الصغير هو الذي كسب هذه الانتخابات لكن بفارق أصوات قليل ويعد على الأصابع، ما انا اتساءل بخصوصة هنا والان وانا اقوم بتقليب هذا الدفتر القديم في ذكرياتي .. ازاي طالب كان لسه بيعاني من اضهاد الاخرين ليه بسبب نعومته ورقته ودمعته القريبة يبقى التاني في انتخابات الفصل، اول نظرية خطرت لي هي تقديس ثنائيي الجنس في الحضارات القديمة وتقديس، والجزء الشعبي المصري اللي جوايا قال يمكن بركة دعاء الوالدين، ربما يمكن الفطرة اللي غلبت العدوانية واو غلبت حاجة تانية لسه معرفهاش !!!
نصحني الطبيب النفسي الذي يتابع حالتي في الوقت الحالي -وهو طبيب كبير وماهر وأقدره- بتبني طفل، نصحني ذلك بشكل غير مباشر، يمكن معركتي واثبات وجودي تكون مع هذا الطفل وطريقة تربيتي ليه والافكار اللي حزرعها في دماغه، يمكن معركتي الحالية حتكون مع أقدم بيروقراطية في التاريخ وأكثر الموظفين تعنتا حول العالم، المصالح الحكومية المصرية والموظف المصري، وهذا الصراع على تغيير جنسي وأسمي ومن ذكر لأنثى، يمكن معركتي مع المجتمع وتقبله ليا واني ابقى انسانة بتتمتع بكل حقوقها مش مجرد اعتراف بوجود على مضض.
الكون لا يكف عن الحركة، والزمن لا يتوقف، والحضارات والشعوب تمر بأزمنة انحدار وازدهار. ومعركتي او رحلتي ليست مع دفاتر قديمة او جراح تريد ان تندمل، لكنها في الوقت الحالي وفي هذا المكان من العالم هي اثبات وجود.
نورا حسين
_______________________________
___________________________





















